الثعلبي

26

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

إذا وجب بحق حقوقا ، قال اللّه سبحانه : وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ « 1 » وقال الكسائي والمؤرخ : الْحَاقَّةُ * : يوم الحق ، يقول العرب : لما عرفت الحق مني . و الْحَاقَّةُ * والحقّة هي ثلاث لغات بمعنى واحد ، و الْحَاقَّةُ الأولى رفع بالابتداء وخبره فيما بعده ، وقيل : الْحَاقَّةُ الأولى مرفوعة بالثانية ؛ لأنّ الثانية بمنزلة الكتابة عنها كأنه عجب منها وقال : الحاقة ما هي ؟ كما تقول : زيد ما زيد ، و الْحَاقَّةُ الثانية مرفوعة بما ، وما بمعنى أي شيء ، وهو رفع بالحاقة الثانية ، ومثله الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ « 2 » ، وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ « 3 » ، ونحوهما . وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ أي بالعذاب الذي نزل بهم حين وعدهم نبيّهم حتى هجم عليهم فقرع قلوبهم . وقال ابن عباس وقتادة : بالقيامة . فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ أي بطغيانهم وعصيانهم ، وهي مصدر كالحاقة ، وقيل : هي نعت مجازه : بفعلتهم الطاغية ، وهذا معنى قول مجاهد وابن زيد ، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها « 4 » وقال قتادة : يعني بالصيحة الطاغية التي جاوزت مقادير الصياح فاهمدتهم . وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ عتت على خزانها فلم تطعهم وجاوزت المقدار . أخبرني الحسن قال : حدّثنا ابن حمدان قال : حدّثنا محمد بن حمدان بن سعد قال : حدّثنا أبو زرعة الرازي قال : حدّثنا المعافى بن سلمان البحراني قال : حدّثنا موسى بن عمر عن سعيد عن موسى بن المسيب عن شهر بن خوشب عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما أرسل اللّه سبحانه من ريح إلّا بمكيال ، ولا قطرة من ماء إلّا بمكيال ، إلّا يوم عاد ويوم نوح ، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزائن فلم يكن لهم عليها سبيل ، ثمّ قرأ : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ » [ 21 ] « 5 » . سَخَّرَها أرسلها وسلطها . عَلَيْهِمْ والتسخير استعمال الشيء بالاقتدار . سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ قال وهب : هي الأيام التي سمّاها العرب : أيام العجوز ذات برد ورياح شديدة وإنما نسبت هذه الأيام إلى العجوز ؛ لأن عجوزا دخلت سربا فتبعتها الريح فقتلها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب في اليوم الثامن .

--> ( 1 ) سورة الزمر : 71 . ( 2 ) سورة القارعة : 1 - 2 . ( 3 ) سورة الواقعة : 27 . ( 4 ) سورة الشمس : 11 . ( 5 ) جامع البيان للطبري : 29 / 61 .